التفتازاني

85

شرح العقائد النسفية

والعصيان ، وأن الكافر الشقي من مات على الكفر - نعوذ بالله - وان كان طول عمره على التصديق والطاعة . على ما أشير إليه بقوله تعالى ، في حق إبليس : « وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ « 1 » وبقوله عليه السلام : « السعيد من سعد في بطن أمه ، والشقي من شقى في بطن أمه » أشار إلى ابطال ذلك بقوله : ( والسعيد قد يشقى ) بأن يرتد بعد الايمان - نعوذ بالله - ( والشقي قد يسعد ) بأن يؤمن بعد الكفر : ( والتغيير يكون على السعادة والشقاوة . دون الاسعاد والاشقاء . وهما من صفات الله تعالى ) لما أن الاسعاد تكوين السعادة ، والاشقاء تكوين الشقاوة ( ولا تغير على الله تعالى ، ولا على صفاته ) لما مر : من أن القديم لا يكون محلا للحوادث . والحق : أنه لا خلاف في المعنى ، لأنه ان أريد بالايمان والسعادة : مجرد حصول المعنى ، فهو حاصل في الحال . وان أريد به ما يترتب عليه النجاة والثمرات فهو في مشيئة الله تعالى ، لا قطع بحصوله في الحال . فمن قطع بالحصول ، أراد الأول ، ومن فوض إلى المشيئة ، أراد الثاني . [ القول في ارسال الرسل ] ( وفي ارسال الرسل ) جمع رسول . فعول من الرسالة . وهي سفارة العبد بين الله تعالى وبين ذوى الألباب من خليقته ليزيح بها عللهم فيما قصرت عنه عقولهم ، من مصالح الدنيا والآخرة - وقد عرفت معنى الرسول والنبي في صدر الكتاب - ( حكمة ) أي مصلحة وعاقبة حميدة . وفي هذا إشارة إلى أن الارسال واجب ، لا بمعنى الوجوب على الله تعالى ، بل بمعنى أن قضية الحكمة تقتضيه لما فيه من الحكم والمصالح ، وليس بممتنع ، كما زعمت السمنية والبراهمة . ولا بممكن يستوى طرفاه ، كما ذهب إليه بعض المتكلمين . ثم أشار إلى وقوع الارسال وفائدته وطريق ثبوته وتعيين بعض من ثبتت رسالته ، فقال : ( وقد أرسل الله رسلا من البشر إلى البشر مبشرين ) لأهل الايمان والطاعة بالجنة والثواب . ( ومنذرين ) لأهل الكفر والعصيان بالنار والعقاب . فان ذلك مما لا طريق للعقل إليه ، وان كان فبأنظار دقيقة لا يتيسر الا لواحد بعد واحد ( ومبينين للناس ما يحتاجون إليه من أمور الدنيا والدين ) فإنه تعالى خلق الجنة

--> ( 1 ) البقرة 24